لماذا نحب الخوارزمي رحمه الله؟

نحن في شركة حساب شغوفون بالهوية الإسلامية والتراث الإسلامي، وبالأخص بالعصر الذهبي الإسلامي. وسبب ذلك أن هذا العصر، الذي أسسه هارون الرشيد رحمه الله تعالى، كان مبنيًا على الدقة والعدل في حساب المواريث والكراء وجميع المعاملات، والتي بها يتحقق الحكم الرشيد. وكان هذا العمل مستوحى بشكل عميق من القرآن الكريم، ابتداءً من الآيات التي تشير إلى التقدير والنِّسَب في كل شيء، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49)، والآيات التي تشير إلى الميزان وضرورة التوازن، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9)، والآيات التي تحث على تعلم الحساب، مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (يونس: 5).

وبالعمل بكل هذه التوصيات المذكورة في القرآن الكريم، ومن خلال تبني روح البحث والفضول والاستقصاء والتعاون، التي ميّزت العصر الذهبي الإسلامي، استطاع هارون الرشيد رحمه الله تعالى وضع حجر الأساس بتأسيس دار الحكمة، التي ساهمت في جعل التوجه العام نحو تحقيق الدقة والضبط في الحساب، تحقيقًا للعدالة في الحكم وجميع المعاملات كما أمر الله تبارك وتعالى.

كان عمل الخوارزمي رحمه الله تعالى هو المفتاح الذي قاد هذه الحضارة وغيرها من الحضارات التي بنت على ذلك فيما بعد، وأبرزها الحضارة الأوروبية، إلى التقدم في مختلف العلوم؛ فالحساب هو مفتاح العلوم الكونية بجميع أنواعها من طب وهندسة وغيرها. وقد استطاع الخوارزمي رحمه الله تعالى، عن طريق الجمع بين مختلف المفاهيم الحسابية المتاحة له في ذلك الزمان من الحضارات الهندية واليونانية والبابلية، أن يحوّل مفهوم الرياضيات والحساب من مجرد خطوات لحل مشكلات حسابية محددة إلى نظام متكامل عام يمكن تطبيقه على مختلف مجالات وجوانب الحياة. كما أنه طوّر نظام الأرقام الذي نعرفه اليوم، وهو ما يعرف بالأرقام العربية: 0 1 2 3 4 5 6 7 8 9 بناءً على الأرقام الهندية: ۰ ۱ ۲ ۳ ٤ ٥ ٦ ٧ ۸ ۹ كما هو معروف حتى في الأوساط العلمية.

ترك الخوارزمي رحمه الله تعالى إرثًا عظيمًا في علم الحساب في زمن الخلافة العباسية، وكل الأعمال التي جاءت من بعده، مثل أبي كامل في مصر، والخيام، والبيروني. ونقل الأمويون هذا الإرث إلى الأندلس حتى وصل إلى أوروبا، وكان هذا من أسرار النهضة الأوروبية ومفاتيحها. ولكن للأسف، فإن بعض علماء أوروبا نسخوا وترجموا هذه الكتب دون نسبتها إلى مؤلفيها الأصليين. وكان هذا الأمر شائعًا خلال النهضة الأوروبية. ومن أمثلة ذلك فِيبوناتشي، الذي اقتبس من أعمال الخوارزمي وأبي كامل رحمهما الله دون نسبة ذلك إليهما، كما فعل كذلك العالم الإيطالي لوكا باتشولي. ثم استطاع الأوروبيون البناء على هذه الأعمال حتى تمكنوا من الوصول إلى مفاهيم متقدمة في الحساب.

ولكن الغريب في الأمر أن بعض علماء أوروبا، مثل فرانسوا فييت، الذي دمج الجبر مع الأشكال الهندسية مقلدا للخوارزمي، وصف العرب والمسلمين بالبرابرة مدعيًا أنهم شوّهوا مفاهيم الجبر، مما يعكس حقدًا غير مبرر تجاه الحضارة الإسلامية التي كانت أساس الجبر والأشكال الهندسية في ذلك الزمان، بما في ذلك ما تعلمه فرانسوا نفسه. كما حاول فرانسوا تغيير مسمى الجبر (Algebra) إلى (Analytic Art) للتخلص من الكلمة العربية، إلا أن هذه المحاولة لم تنجح؛ إذ إن كثيرًا من العلماء في أوروبا اعترفوا لاحقًا بفضل الخوارزمي وكتابه في الجبر، حتى عُرف عندهم بالأب الروحي للجبر والرياضيات، ودخلت مصطلحاته إلى معاجمهم اللغوية، مثل كلمة الجبر (Algebra) وكلمة الخوارزميات (Algorithms).

استمر التطور في أوروبا حتى استطاع أويلر البناء على هذه المساهمات، ووصل إلى طرائق التعبير الحسابية التي نعرفها اليوم. ثم استطاع هلبرت أن يجعل هذه التعابير مجردة بالكامل عام 1902، وهي التعابير التي يستخدمها الرياضيون في وضع الإثباتات الرياضية.

ونتيجةً للحروب المتكررة، فُقِد كتاب الخوارزمي، ولم تُنشر أي نسخة عربية من الكتاب حتى عام 1931، ثم عام 1937، أي بعد أكثر من ألف عام من تأليفه، عندما وجد العالِمان المصريان علي مصطفى مشرفة ومحمد موسى أحمد النسخة الوحيدة الباقية في مكتبة أكسفورد في بريطانيا، والتي كانت قد نُسخت بعد نحو خمسمائة سنة من وفاة الخوارزمي رحمه الله تعالى، ويُعتقد أنها أُخذت من مصر.

ورغم الجهود العظيمة التي قام بها هذان العالِمان المصريان، فإنهما لم يوفقا في وضع مقدمة مناسبة للكتاب، إذ ركزا على الإشادة بعمل الخوارزمي في إطار الحضارة المصرية، رغم بُعد الخوارزمي عنها مكانًا وزمانًا، وهو ما جاء خارج السياق الذي كتب فيه الخوارزمي كتابه بنفسه، حيث بيّن في مقدمته أن الغاية من علم الجبر والمقابلة هي إقامة العدل في المعاملات والمواريث وفق أحكام الشريعة الإسلامية.

ولبيان ما كان يسعى له الخوارزمي نضع مقدمة كتابه كاملة هنا:


بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب وضعه محمد بن موسى الخوارزمي افتتحه بأن قال:

الحمد الله على نعمه بما هو أهله من محامده التي بأداء ما افترض منها على من يعبده من خلقه يقع اسم الشكر ويستوجب المزيد إقرارا بربوبيته وتذللا لعزته وخشوعا لعظمته. بعث محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنبوة على حين فترة من الرسل نورا من الحق ودروس من الهدي فبصر به من العمى واستنقذ به من الهلكة وكثر به بعد قلة وألف به بعد الشتات.

تبارك الله ربنا وتعالى جده وتقدست أسماؤه ولا إله غيره, وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم. ولم تزل العلماء في الأزمنة الخالية والأمم الماضية يكتبون الكتب مما يصنفون من صنوف العلم ووجوه الحكمة نظرا لمن بعدهم واحتسابا للأجر بقدر الطاقة ورجاء أن يلحقهم من أجر ذلك وذخره وذكره ويبقى لهم من لسان صدق ما يصغر في جنبه كثير مما كانوا يتكفلونه من المؤونة ويحملونه على أنفسهم من المشقة في كشف أسرار العلم وغامضه. إما رجل سبق إلى مالم يكن مستخرجا قبله فورثه من بعده. وإما رجل شرح مما أبقى الأولون ما كان مستغلقا فأوضح طريقه وسهل مسلكه وقرب مأخذه. وإما رجل وجد في بعض الكتب خللا فلم شعثه وأقام أوده وأحسن الظن بصاحبه غير راد عليه ولا مفتخر بذلك من فعل نفسه.

وقد شجعني ما فضل الله به الامام المأمون أمير المؤمنين مع الخلافة التي حاز له إرثها وأكرمه بلباسها وحلاه بزينتها, من الرغبة في الأدب وتقريب أهله وإدنائهم وبسط كنفه لهم ومعونته إياهم على إيضاح ما كان مستبهما وتسهيل ما كان مستوعرا. على أن ألفت من كتاب الجبر والمقابلة كتابا مختصرا حاصرا للطيف الحساب وجليله لما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصياهم وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجارتهم, وفي جميع ما بتعاملون به بينهم من مساحة الأرضين وكرى الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوهه وفنونه, مقدما لحسن النية فيه وراجيا لأن ينزله أهل الأدب بفضل ما استودعوا من نعم الله تعالى وجليل آلائه وجميل بلائه عندهم منزلته وبالله توفيقي في هذا وغيره عليه توكلت وهو رب العرش العظيم وصلى الله على جميع الأنبياء والمرسلين.


ونختم بهذا الفيديو فهو من أفضل ما جمع في تحليل أعمال الخوارزمي وبيان أهميتها في الحضارة الأروبية:

المراجع

عناوين مشابهة

    لا يوجد عناوين مشابهة